محمد جمال الدين القاسمي

33

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 52 إلى 53 ] ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 52 ) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 53 ) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أي أشركوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ في الآخرة إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي تقولون وتعملون في الدنيا . وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أي يستخبرونك أَ حَقٌّ هُوَ أي الوعد بعذاب الخلد ، أو ادعاء النبوة أو القرآن قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي بفائتين العذاب . فهو . لاحق بكم لا محال من ( أعجزه ) الشيء إذا فاته . يصح كونه ( أعجزه ) بمعنى وجده عاجزا . أي : ما أنتم بواجدي العذاب أو من يوقعه بكم عاجزا عن إدراككم ، وإيقاعه بكم . لطائف : الأولى : دل سؤالهم هذا على محض جهلهم أو عنادهم ، لما ثبت من البرهان القاطع على نبوته بمعجز القرآن ، وإذا صحت النبوة لزم القطع بصحة كل ما ينبئهم عنه ، مما يصدعهم به . الثانية - إنما أمر بالقسم لاستمالتهم وللجري على ما هو المألوف في المحاورة ، من تحقيق المدعي ، فإن من أقسم على خير ، فقد كساه حلة الجد ، وخلع عنه لباس الهزل : إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ، وَما هُوَ بِالْهَزْلِ [ الطارق : 13 - 14 ] . الثالثة - لما كانت الناس طبقات ، كان منهم من لا يسلم إلا ببرهان حقيقيّ ، ومنهم من لا ينتفع به ، ويسلم إلا بالأمور الإقناعية ، نحو القسم ، كالأعرابيّ « 1 » الذي قدم على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وسأله عن رسالته وبعثه ، وأنشده بالذي بعثه ، ثم اقتنع بقوله صلوات اللّه عليه : « اللّهم نعم ، فقال : آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة » - رواه البخاري في أوائل كتاب العلم - . الرابعة - قال ابن كثير : هذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان ، يأمر اللّه تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ :

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : العلم ، 6 - باب ما جاء في العلم وقوله تعالى : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ، حديث رقم 55 .